من دمشق هنا القاهرة | لماذا عاش عبد الهادي بكار مطرودا من سوريا

من دمشق هنا القاهرة | لماذا عاش عبد الهادي بكار مطرودا من سوريا

في يوم 2 نوفمبر 1956، ثالث أيام العدوان الثلاثي على مصر الحبيبة، وبعد صلاة الجمعة، قرر الرئيس‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬إلقاء‭ ‬كلمة‭ ‬من‭ ‬على‭ ‬منبر‭ ‬الجامع‭ ‬الأزهر‭ ‬بعد‭ ‬صلاة‭ ‬الجمعة.

لم يكن حضور صلاة الجمعة هم المقصودين بكلمة الرئيس. لكن مصر كلها، وبينما كان الرئيس يستعد لإلقاء خطبته كان هناك خبر غير سار ينتظره. ‬تعرضت‭ ‬هوائيات‭ ‬الإذاعة‭ ‬المصرية‭ ‬فى‭ ‬ منطقة أبوزعبل‭ ‬لقصف‭ ‬جوى‭ ‬من‭ ‬العدوان،‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬انقطاع‭ ‬الإرسال‭ ‬الإذاعي.

وقتها جاء بيان الإذاعة السورية: “‬فى‭ ‬الساعة‭ ‬الـ 11:30‭ ‬‬صباحا‭ ‬حدثت‭ ‬غارة‭ ‬جوية‭ ‬على‭ ‬قرية‭ ‬مصرية‭ ‬فى‭ ‬‮«‬أبو زعبل‮”‬،‭ ‬وكذلك‭ ‬على‭ ‬أجهزة‭ ‬إرسال‭ ‬محطة‭ ‬الإذاعة‭ ‬المصرية‭ ‬ما‭ ‬سبب‭ ‬عطلا‭ ‬فيها‭ ‬وبعض‭ ‬الخسائر‭ ‬التى‭ ‬لم‭ ‬تحدد‭ ‬بعد.

‬وهنا‭ ‬أعلنت‭ ‬إذاعة‭ ‬دمشق‭ ‬مباشرة‭ ‬بصوت‭ ‬المذيع‭ ‬عبد‭ ‬الهادى‭ ‬البكار‭: “‬هنا‭ ‬القاهرة‭ ‬من‭ ‬دمشق،‭ ‬هنا‭ ‬مصر‭ ‬من‭ ‬سورية،‭ ‬لبيك‭ ‬لبيك‭ ‬يا‭ ‬مصر. ‬وتحولت‭ ‬الإذاعة‭ ‬السورية‭ ‬إلى‭ ‬إذاعة‭ ‬مصرية‭ ‬خلال‭ ‬أيام‭ ‬العدوان،‭ ‬وتم‭ ‬بث‭ ‬خطاب‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬من‭ ‬إذاعة‭ ‬دمشق.

تصرف البكار كان تصرفا عفويا، حسب ما ينقله الإعلامي السوري الكبير محمد القطان. والذي يقول: “كنت طالبا وكنا نتدرب في الإذاعة السورية. كنا‭ ‬نقف‭ ‬أمام‭ ‬الاستديو‭ ‬والأخبار‭ ‬تتوارد‭ ‬إلى‭ ‬العاملين‭ ‬فى‭ ‬إذاعة‭ ‬دمشق‭ ‬عن‭ ‬الاعتداء‭ ‬بالطيران‭ ‬على‭ ‬مصر. كان السؤال ‬ماذا‭ ‬يمكن‭ ‬للإذاعة‭ ‬السورية‭ ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬لمصر‭ ‬الجريحة. ‬خاصة‭ ‬أنه‭ ‬تم‭ ‬تدمير‭ ‬محطات‭ ‬الإرسال‭ ‬للإذاعة‭ ‬المصرية؟.‭ ‬وكان‭ ‬البكار‭ ‬فى‭ ‬طرف‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬الاستديو.‭ ‬وفجأة‭ ‬اقتحم‭ ‬استديو‭ ‬الأخبار‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬استشارة‭ ‬أحد‭ ‬أو‭ ‬أخذ‭ ‬موافقة‭ ‬أحد.‭ ‬وجلس‭ ‬خلف‭ ‬الميكرفون‭ ‬ليصرخ: “‬هنا‭ ‬القاهرة‭ ‬من‭ ‬دمشق،‭ ‬هنا‭ ‬مصر‭ ‬من‭ ‬سورية‭ ‬لبيك‭ ‬لبيك‭ ‬يا‭ ‬مصر‮.”.

مطرود من سوريا

ولد عبد الهادي البكار في سنة 1934، في مدينة دوما في العاصمة السورية دمشق، عربي قومي، يحلم بقضايا العرب ويعيش أحزانه وأفراجه، وعندما حدثت الوحدة بين مصر وسوريا، سافر إلى مصر ليقدم برنامجا من إذاعة صوت العرب المصرية.. وعندما حدث الانفصال .. حمل عبد الهادي البكار سوريا مسئولية الانفصال عن مصر وشق الصف.. الأمر الذي تتبعه حرمانه من دخول سوريا.

عبد الهادي البكار .. مناضل قومي غيبه الموت

عمل البكار في إذاعة دمشق، وإذاعة بغداد وصوت العرب المصرية، وقدم في إذاعة دنشق برنامجه الشهير “صرخة ثوار”، عمل كمذيع في السفارة التونسية، ثم عاش في الأمارات العربية وحصل على الجنسية الإماراتية، وأعطاه الشيخ زايد مبلغا من المال لشراء منزل في القاهرة، ولكن حدث خلاف بينه وبين السفير الأماراتي في مصر فهعاش البكار بدون عمل لسنوات، وللفقيد الراحل كتاب في غاية الأهمية حمل اسم “المأزق.. مصر والعرب والآخرون”، وقد وقعه في دمشق سنة 1987، وكتاب أسرار سياسية وعربية.

وعاش البكار مع زوجته الدكتورة عائشة هالة طلس وابنه صخر، بعيدا عن سوريا طوال عمره لكنه أوصى زوجته وابنه أن يدفن في سوريا التي خرج منها قبل سنوات طوال. ليُدفن في قريته التي ولد بها، وهو ما حدث بالفعل. حيث عاد لسوريا جثمان بلا روح في اواخر يناير 2009.

من دمشق هنا القاهرة

إغلاق